النويري

10

نهاية الأرب في فنون الأدب

السحر ، ونقلا بعد الطوفان إلى بابل . وكان عرناق يجتلب النساء بسحره ويغتصبهنّ ، وكان يسكن الجنة التي عملها نقارس ، فاحتالت عليه امرأة من المغصوبات فسمّته فهلك وبقى مدّة لا يعرف خبره . وكان من رسمه - إذا خلا بنسائه - لا يقربه أحد ، فلمّا تأخر خبره عن الناس هجم عليه فتى من بنى نقراوس يقال له لوخيم « 1 » ومعه نفر من أهله ، فوجدوه ملقى في فراشه جيفة . فأمر أن توقد له نار فأحرقه فيها . وجمع النسوة اللواتي كنّ في الجنة ، فمن كانت من نسائه تركها ، ومن كانت من المغصوبات سرّحها إلى أهلها ، ففرح الناس بذلك وبما نزل به . وملك بعده لوخيم وجلس على سرير الملك ولبس تاج أبيه ، وأمر بجمع الناس وقام فيهم وتكلَّم وذكر ما كان عليه عرناق الأثيم من سوء السيرة واغتصاب النساء وسفك الدماء ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة إلى أن هلك ، وأنه أحقّ بتراث أبيه « 2 » وجدّه . وضمن للناس العدل والإحسان والقيام بأمرهم ودفع كل أذى عنهم . فرضى الناس به وأطاعوه وقالوا : أنت أحقّ بالملك ، ولا زلت دائم السعادة طويل العمر قائما بتجويد الهيا كل وتعظيمها . فركب إلى هيكل الشمس فقرّب له بقرا كثيرا ، وسار في الناس بالعدل . قال : وكانت الغرانيق « 3 » قد كثرت في زمن عرناق فأهلكت زروع الناس . فعمل لوخيم أربع منارات من نحاس في أربعة جوانب أمسوس ، وجعل على كل منارة صورة غراب في فمه حيّة قد التوت عليه فلم يقربهم شئ من تلك الطيور ، فكانت كذلك حتى أزالها الطوفان .

--> « 1 » في المقريزي ( ج 3 ص 14 طبعة فييت ) : « لوجيم » بالجيم المعجمة . « 2 » في أ : « أخيه » . « 3 » الغرانيق : الذكور من الطير واحدها غرنوق وغرنيق ، وهو طائر مائي طويل القوائم والعنق أسود وقيل أبيض ( راجع شرح القاموس مادة غرنق ) .